​إغلاق الأقصى في زمن الثرثرة

لمى خاطر

لا شيء مثل الأزمات والمحن كاشف للحقائق المؤلمة التي تتستر بالشعارات، ولا شيء يغني عن مواجهة هذه الحقائق بشجاعة مطلقة وبعيداً عن الاستعانة بالمبررات حيناً وبرمي وزرها على آخرين مفترضين حيناً آخر، أو يُفترض فيهم التحرك والعمل والتصدي للمنكرات في واقعنا.

ويمكن لجريمة إغلاق المسجد الأقصى أن تكون مثالاً حيّاً على ذلك، إذ حتى في ردود الفعل، أو على الأصح الردود الكلامية على الحدث ظهرت تباينات كثيرة، فهناك من اختار أن يهاجم عملية القدس مدعياً أنها وفّرت المبرر للاحتلال لكي يغلق المسجد الأقصى، ومتناسياً أن تحرير المسجد الأقصى أولى من الصلاة فيه وفق محددات المحتل وتحت حرابه، وهناك من انشغل بذلك الجهد العبثي المتمثل في استصراخ نخوة العرب والمسلمين مستثنياً الفلسطينيين الأقرب إلى المسجد الأقصى وما يدور فيه، وهناك من وقف مع نفسه ومسؤولياته ليبحث فيها عن واجباته الغائبة، ويجلد عجزه وقلة حيلته، ونكوصه عن مسار الفعل، أو الانتصار للمقدسات. ولعل هذا الأخير هو الأصدق والأكثر لمساً لمكمن الداء، رغم أن إدراك المرء حقيقة عجزه وضعفه وجبنه لا يكفي، ولا يسهم في ردع محتل أو ردّ حقّ أو ذود عن مقدسات.

لكن لعلّ من بركات عملية القدس الأخيرة أنها نبهتنا جميعاً لذلك الخطر المحيق بالأقصى، وليس المقصود فقط خطر التقسيم والإغلاق ومنع الصلاة فيه، بل خطر الجمود والسكون وعدم النهوض بالواجبات تجاهه في حال تعرضه لكل ذلك، وخطر حالة التراجع العامة في الشعور الديني الذي كان من أبرز تجلياته سرعة الانتصار للمقدسات، وتحييد كل الحسابات المادية والدنيوية إذا ما مسّها سوء، والتاريخ الفلسطيني المعاصر ثريّ بدلائل على كل هذا.

فما الذي تغيّر الآن؟ وكيف اكتشفنا فجأة أن أمراض نكوصنا أشد خطراً وأعظم بلاءً مما كنا نظنّ؟ وأنها لا تقل خطراً عن تلك المآسي المادية المتتابعة علينا، وهل علينا بعد كل هذا الانكشاف أن نستمر في التغني بما نسميه (انتفاضة القدس الثالثة) بينما فرسانها الحقيقيون لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة للغاية من المجتمع الفلسطيني؟ بينما البقية متفرجون ومنظّرون في أحسن الأحوال، أو معترضون ومهاجمون في أسوئها!

لا يمكن بطبيعة الحال فصل هذا الحال البائس عن الواقع السياسي في كل أنحاء فلسطين، أي في الضفة وغزة والقدس ومناطق الداخل الفلسطيني، فغزة أُشغِلت بحصارها وهمومها وأزماتها الكبرى، والضفة تم تجريف براعم المقاومة فيها، وتجريم وعيها المقاوم، ومحاصرة فرص تعافيها، ومناطق الداخل الفلسطيني والقدس تكابد هموم الحفاظ على الهوية وتتهددها أخطار كثيرة، أما الشتات الفلسطيني فليس أفضل حالاً من نظيره في الداخل.

غير أن ذلك كلّه وإن كان مهماً لتفسير التراجع فعلياً عن نصرة المقدسات، فإنه لا يبرر حالة اللامبالاة تجاه ما يجري في الأقصى، وإن كان المقاومون ينتصرون للأقصى بدمهم وفعلهم، فإن هناك واجبات أخرى ينبغي ألا يتأخر عنها الباقون، كل من خلال موقعه، فأنماط الفعل الشعبي متعددة وواسعة، وهذه مسؤولية من لا يقوى على حمل السلاح، لكن المهم تخيّر المجدي والمباشر منها، وتجنب الأنماط العبثية التي يظن معتمدها أنه يقدم مجهوداً كبيراً فيما هو لا يفعل أي شيء مفيد.

يعلّمنا التاريخ أن الهوان حالة لا بد أن تمر بها كل أمة، ولا أظن أن هناك هواناً أعظم وأشد مما نحن فيه، على مستوى فلسطين والأمة، ولولا تلك النجوم التي تضيء فضاءاتنا المظلمة من حين لآخر بدمها وشرر بنادقها لفقدنا بقية الأمل وآخر خيوط اليقين. لكن سنة الله ماضية، وكذلك الجهاد الذي لن تنحسر رايته إلى قيام الساعة، فهنيئاً لمن كان في طليعة ركبه، وحمل لواءه حين تخلف أكثر الناس، وصان معانيه حين غزتها رياح التزييف والتحوير والتغيير.

المصدر: فلسطين أون لاين